header
اليوم 2017/05/27
20 أبريل، 2017  3:58 م

ارتبط تصاعد النقد الإعلامي والحكومي تجاه الخطاب الديني ومؤسسة الأزهر في مصر بموجة العنف التي شهدتها البلاد أخيرا، والتي تصاعدت وتيرتها بعد التفجيرات المتعدّدة تجاه الكنائس، وتم على أثرها اتخاذ حزمة من القرارات والإجراءات، مثل إعادة تطبيق قانون الطوارئ، وتشكيل ما يسمى “المجلس الأعلى لمكافحة التطرف”. ويظل المسجد أحد الفضاءات العامة الرئيسية التي تلعب دوراً مهما في تشكيل الرأي العام وتعبئته، سواء مع السلطة أو ضدها، لذا فإن ثمة مساعي حكومية حثيثة من أجل إحكام السيطرة على هذا الفضاء، سواء من حيث الخطاب أو الإدارة.
يعد المسجد أهم المباني الدينية الإسلامية، حيث يرى الفقيه محمد بن عبد الله الزركشيّ أنه لفظة مكان تنبثق من مكان “السجود”، وفي هذا الأمر تطهير وتقديس له، حيث للسجود مدلولاته في الفقه الإسلاميّ، يكون الناس أقرب إلى ربهم. ويُطلَق عليه أيضًا “جامِع”، بمعنى المكان الذي يجمع الناس لصلاة الجمعة، فيُطلَق على المساجد الكبرى “المساجد الجامِعة”، فالجامع هو المسجد الذي يحتوي على مِنبَر للخطبة. وفي كلا المعنيين تبرز إمكانيّة توظيفه واستغلاله أداة ذات تأثير؛ معنويّ روحيّ (السجود)، وماديّ تعبوي (التَجَمُع).
لعبت المساجد دوراً لافتاً في الأحداث السياسية الكبرى في مصر، ليس فقط في العصر الحديث وإنما أيضا قبل ذلك. تاريخياً، توظيف المساجد سياسيًا وليد جمهورية يوليو/ تموز 1952، لكنه يمتد إلى الفاطميّيّن الذين اتخذوا منبر الجامع الأزهر أداة لتثبيت أركان حكمهم على حساب الخلافة العباسيّة في بغداد، وهو ما دفع ثمنه الجامع الأزهر، حيث أُغلِق نحو 98 عامًا بعد سقوط الخلافة الفاطميّة ودخول الأيوبيّيّن مصر1163م.
تهدف محاولات الدولة المركزية في مصر، تاريخيًّا أو حديثًا، إلى الهيمنة على خطاب المسجد،
وهو ما برز مع تنامي دور الدولة على حساب المجتمع فيما بعد ثورة يوليو/تموز 1952، حيث ضمنت الدولة لنفسها تأميم الخطاب الديني، بعد تأميم أوقاف المساجد التي ضمنت لها احتكار مواردها المالية، ولتتحكّم في توزيعها بأسلوبٍ يكفل مكافأة من يتبعون خُطاها ومعاقبة المُعارضين.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، سعت الدولة إلى إحكام سيطرتها على المساجد، خصوصا في الثمانينات والتسعينات، وذلك كإحدى وسائل مكافحة الإرهاب الذي كانت تقوم بها الجماعات الراديكالية آنذاك. ومع ثورة يناير، كان المسجد من الأدوات الرئيسية التي لجأ إليها المتظاهرون للتعبئة والحشد ضد نظام حسني مبارك. لذا، حاولت أنظمة ما بعد الثورة اللجوء إلى سياسات توظيف المساجد، سواء لصالح الجماعات الدينية التي سعت إلى توظيفها في معاركها الانتخابية بعد 2011، أو السلطة السياسية في مرحلة ما بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.
في السياق نفسه، تستند سياسات إدارة المساجد التي تنتهجها الدولة بعد يونيو/ حزيران 2013 إلى إيجاد مراكز قوى داخل منظومة الخطاب الديني نفسها، مثل سطوع نجم مستشار الرئيس الديني، الشيخ أسامة الأزهري، على حساب كبار مشايخ الأزهر الذين يعتبرهم الرئيس، عبد الفتاح السيسي، نفسه عثرة أمام دعواته إلى تجديد الخطاب الديني. من زاويةٍ أخرى، تأتي دعوة الرئيس السيسي أعضاء مجلس النواب، بعد الأحداث الإرهابية في كنيسة مارجرجس في طنطا والكنيسة البطرسية في الإسكندرية في 9 أبريل/ نيسان 2017، إلى سن قانون بتشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، لتكون له سلطات شاملة، في مقدمتها السلطات الدينية، كإحراجٍ للأزهر والمؤسسات الدينية قاطبة، خصوصا في ظل تعدد منظومة الخطاب الديني في مصر حاليًا.
تُبرز السياسات الجديدة التي اتبعتها وزارة الأوقاف منذ العام 2013، مثل تعميم الخطبة الموحدة ومحاولاتها تنفيذ قرار الخطبة المكتوبة الذي تصدّى له الأزهر الشريف لاحقًا، الريبة من تحول الدولة إلى تأميم الخطاب الديني، بدلاً من تجديده، وهو ما سيضرّ بالدعوة كلها. فسعي الدولة نحو تأميم الخطاب الإعلامي، سواء قبل يناير/ كانون الثاني 2011 أو بعد

يونيو/ حزيران 2013، أدى إلى هَجرها، سواء لصالح الإعلام الخاص، أو الدولي، أو حتى العالم الافتراضي، واعتبار هذه الخطوات ليست حلًا لمشكلات تجديد الخطاب الديني، بل ستؤدي إلى هجرة الناس الخطاب الديني الرسمي، باعتباره غير مرتبط بقضاياهم الاجتماعية والمحلية، لصالح حلقات دينية عُرفية، أو الذهاب إلى مساجد خارج السياق الحكومي، خصوصا عند الأخذ في الاعتبار أن أكثر من 100 ألف مسجد خارج سيطرة وزارة الأوقاف.
نجاح سياسة وزير الأوقاف المصري، محمد مختار جمعة، في ضبط الخطاب المسجدي، تنزوي إلى نجاحات فردية لا علاقة لها بمستقبل الدعوة على الأمد البعيد، حيث استطاعت هذه السياسة أن تضمن للوزير جمعة ثقة الرئيس الانتقالي، عدلي منصور، وبعده الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، فاستطاع الاحتفاظ بالمنصب في ثلاث حكومات متوالية، مُتجاوزًا كل التعديلات الوزاريّة، الجزئيّة والشاملة.
ختامًا، يمكن القول إن ثمة محدّدات تنكفئ عليها سياسات إدارة المساجد في مصر، ليس فقط في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنها تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير، وهي: حصار ظواهر التطرّف الديني عن طريق منع التجنيد الجهادي في أوساط الشباب المتدين. تحجيم دور حركات الإسلام السياسي مجتمعيًا بحرمانهم من الحواضن الشعبية من خلال منعهم من ممارسة الخطابة والاحتكاك بجمهور المسجد. ضمان نوع من التعبئة الجماهيرية لصالح السياسات والقرارات الحكومية. مجابهة المد الشيعي، خصوصا في إطار مساجد آل البيت، وهو ما تراجع أخيرا بسبب أولوية المحددات الثلاث الأولى على غيرها.

3

أهم الأخبار

الأكثر قراءة

مقالات

استطلاع الرأى

User Polls

جميع الحقوق محفوظة لموقع التقرير المصري © 2016